الطبراني
312
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وفي باب الجهاد دليلا تقديرا آخر أن أحد الجهاد داخل تحت قوله : ( فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) وكان اللّه تعالى ميّز الجهاد من الظلم الذي هو إقدام على النّفوس والأموال ، وقوله تعالى : ( كَافَّةً ) منصوب على الحال . قال قتادة وعطاء : ( كان القتال كثيرا في الأشهر الحرم ، ثمّ نسخ وأحلّ فيه بقوله : ( وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ) يعني فيهنّ وفي غيرهنّ ) . وقال الزهريّ : ( كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحرّم القتال في الأشهر الحرم ، ممّا أنزل اللّه من تحريم ذلك حتّى نزلت براءة ، وأحلّ قتال المشركين ) « 1 » . وقال سفيان الثوريّ لمّا سئل عن القتال في الأشهر الحرم ، قال : ( لا بأس بالقتال فيهنّ وفي غيرهنّ ؛ لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم غزا هوازن وحنينا وثقيفا بالطّائف وحاصرهم في الشّوّال وبعض ذي القعدة ، فدلّ على أنّ حرمة القتال فيها منسوخ ) « 2 » . قوله تعالى : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً ؛ أي إنّما تأخير الشّهر الحرام من المحرّم إلى صفر ، واستباحة المحرّم زيادة في الكفر يغلط ويخطئ بالنّساء سائر الكفّار ، ومن قرأ ( يضل ) صفر مكان المحرّم ، ويحرّمون المحرّم عاما فلا يقاتلون فيه ، ثم يقاتلون في صفر ، ( لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ) ؛ أي ليوافقوا في العدد أربعة أشهر ، وكانوا يقولون : هذه أربعة بمنزلة أربعة . والمواطأة الموافقة ، وأصل النّسيء الحاضر ومنه بيع النّسيئة ، ومنه أنسأ اللّه في أجل فلان ، ومنه المنسأة وهي العصا يرجو بها ويؤخّر . قرأ قتادة ومجاهد وأبو عمرو ونافع غير ورش « 3 » وعاصم وحمزة والكسائي وخلف وابن عامر ( النّسيء ) بالمدّ والهمزة وهو مصدر كالسّعير والحريق ونحوهما ،
--> ( 1 ) نقله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن : ج 8 ص 134 عن قتادة وعطاء والزهري . ( 2 ) ينظر : الجامع لأحكام القرآن : ج 8 ص 134 . ( 3 ) في الجامع لأحكام القرآن : ج 8 ص 136 ؛ قال القرطبي : ( قال النحاس : ولم يرو أحد عن نافع فيما علمناه ( إنّما النّسيّ ) بلا همز إلا ورش وحده ) . قاله النحاس في إعراب القرآن : ج 2 ص 117 .